الشيخ حسن المصطفوي

36

التحقيق في كلمات القرآن الكريم

فانّ الكذب فرع تعقّل الموضوع ، ولا سبيل لأحد أن يفهم حقيقة القيامة زمانا ومكانا وكيفا وبسائر الخصوصيّات ، حتّى يقول ما يخالفها . وهذا كقوله تعالى : * ( فَعَقَرُوها فَقالَ تَمَتَّعُوا فِي دارِكُمْ ثَلاثَةَ أَيَّامٍ ذلِكَ وَعْدٌ غَيْرُ مَكْذُوبٍ ) * - 11 / 65 أي لا يستطيع أحد أن يكذب فيه ، إلَّا من له ارتباط واطَّلاع من عالم الغيب ، وهذا خبر ووعد من عالم الغيب . وهذا المعنى لطف التعبير في الموردين بصيغة المجرّد : فانّ التكذيب هو إنكار ، والإنكار هو دعوى عدم صحّة في موضوع ، وهو يتمشّى من كلّ أحد وفي كلّ امر ، حقّا أو باطلا ، وهو أمر عدمىّ ، والكذب أمر وجودىّ . والتكذيب من شؤون من يتهاون في أموره ويدهن في جريان حياته ، وهو عدّة للمنحرفين الضالَّين ، ورزق لهم به يتقوّون وبه يديمون جريان برنامج خلافهم ، وهو أسهل شيء وأهونه في مقام الخلاف ، قال تعالى : * ( أَفَبِهذَا الْحَدِيثِ أَنْتُمْ مُدْهِنُونَ وَتَجْعَلُونَ رِزْقَكُمْ أَنَّكُمْ تُكَذِّبُونَ ) * - 56 / 81 وبهذا يظهر معنى : * ( وَما أَرْسَلْنا مِنْ قَبْلِكَ إِلَّا رِجالًا نُوحِي ) * . . . . * ( حَتَّى إِذَا اسْتَيْأَسَ الرُّسُلُ وَظَنُّوا أَنَّهُمْ قَدْ كُذِبُوا جاءَهُمْ نَصْرُنا ) * - 12 / 110 أي إلى أن استيأس المرسلون عن هداية الناس وعن سوقهم إلى الحقّ ، وظنّوا أنّ قومهم قد كذبوهم في أقوالهم ، وأنّ إسلامهم وبيعتهم لهم ليس بصدق ، وهم كاذبون ، فيئسوا عن نتيجة الدعوة . وأمّا التكذيب : فهو جعل شخص كاذبا ، قال تعالى : * ( فَما يُكَذِّبُكَ بَعْدُ بِالدِّينِ ) * - 95 / 7 أي فما الَّذى يوجب جعلك كاذبا بالدين ، والدين هو الخضوع والانقياد قبال مقرّرات ، فالدين حقيقة وأمر فطرىّ إذا كانت الفطرة سليمة ، فانّها تنقاد قبال برنامج مقرّر صحيح .